تصاعد الإعدامات في إيران يضع الأمم المتحدة أمام اختبار المساءلة بقلم: الدكتورة معصومة بولورجي
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يعود ملف الإعدامات في إيران إلى صدارة الاهتمام الدولي، لا بوصفه قضية حقوقية منفصلة، بل باعتباره مؤشرًا خطيرًا إلى طبيعة السلطة الحاكمة في طهران، وإلى الطريقة التي تستخدم بها أدوات القمع الداخلي كلما ضاقت بها الأزمات السياسية والأمنية.
فقد وجّه أكثر من 300 من كبار الخبراء القانونيين الدوليين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والحائزين على جائزة نوبل، رسالة مفتوحة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، نُشرت عبر منظمة “العدالة لضحايا مجزرة عام 1988 في إيران”، حذروا فيها من تصاعد غير مسبوق في وتيرة الإعدامات داخل إيران، ومن مؤشرات متنامية على نمط من الجرائم الفظيعة التي تستدعي تحركًا دوليًا عاجلًا.
وتضم قائمة الموقعين شخصيات بارزة من عالم القانون الدولي، من بينهم مسؤولون سابقون في الأمم المتحدة، ورؤساء محاكم دولية، وقضاة وخبراء حقوقيون معروفون. ويؤكد هؤلاء أن السلطات الإيرانية تستغل حالة عدم الاستقرار الإقليمي الأخيرة لشن حملة قمع سياسي دموية ومنظمة، تشمل الاعتقالات الجماعية، والتعذيب، والإعدامات، وقطع الإنترنت بهدف منع انتقال المعلومات إلى الخارج وخنق أي صوت احتجاجي في الداخل.
“إرهاب الدولة في أعلى مستوياته”
بحسب الرسالة، بلغت وتيرة الإعدامات في إيران مستوى لم يُسجل منذ ما يقرب من أربعة عقود. ويرى الموقعون أن اندلاع التوترات الإقليمية في 28 فبراير 2026 وفّر للنظام غطاءً لتصعيد القمع الداخلي، في وقت يحاول فيه تقديم صورة القوة خارجيًا، بينما يواجه في الداخل غضبًا اجتماعيًا وسياسيًا متصاعدًا.
وتكشف المعطيات الواردة في الرسالة عن نمط منهجي في استهداف المعارضين. فمنذ 19 مارس 2026، أُعدم عشرات الأشخاص بعد محاكمات موجزة تفتقر إلى أبسط معايير العدالة. كما أُعدم ما لا يقل عن ثمانية سجناء سياسيين بسبب انتمائهم إلى منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، فيما يواجه ما لا يقل عن 11 آخرين خطر الإعدام الوشيك بالتهم ذاتها.
ولا يقتصر الأمر على أحكام الإعدام. فبيانات بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن إيران تشير إلى اعتقال أكثر من 50 ألف متظاهر، في دلالة على حجم القمع الذي تمارسه السلطات ضد المجتمع. كما تُستخدم تهم مثل “المحاربة” و”البغي” بصورة ممنهجة لتجريم الاحتجاج والمعارضة السياسية، وتحويل القضاء إلى أداة لتصفية الخصوم وترهيب الشارع.
وتشير الرسالة إلى أن المدعي العام للنظام أعلن أن جميع المتظاهرين مذنبون بتهمة “المحاربة”، بينما وجّه رئيس السلطة القضائية القضاة إلى عدم إظهار “أي رحمة” في القضايا المرتبطة بالاحتجاجات. وهذه اللغة، في نظر الخبراء، لا تعكس مجرد تشدد قضائي، بل تكشف عن قرار سياسي باستخدام الإعدام كسلاح لإدارة الخوف.
“جذور الإفلات من العقاب”
يرى الموقعون أن ما يحدث اليوم لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من الإفلات من العقاب في إيران. فالرسالة تربط بين الموجة الراهنة من الإعدامات وبين مجزرة عام 1988، حين أُعدم أو أُخفي قسريًا نحو 30 ألف سجين سياسي خارج إطار القانون. وقد خلص المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بإيران في عام 2024 إلى أن تلك الجرائم تشكل جرائم مستمرة ضد الإنسانية وإبادة جماعية.
هذا الربط بين الماضي والحاضر يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية مضاعفة. فالصمت على جرائم الأمس، بحسب مضمون الرسالة، هو ما شجع السلطات الإيرانية على مواصلة النهج ذاته اليوم. ومن هنا، فإن الحديث عن الإعدامات الراهنة لا يتعلق فقط بوقف أحكام فردية، بل بكسر حلقة كاملة من الحصانة السياسية والقضائية التي سمحت باستمرار القمع لعقود.
وقد أعلن الموقعون تضامنهم مع جهود المقاومة داخل إيران، ولا سيما حملة “لا للإعدامات” التي انطلقت من داخل السجون، ومع الحركة الشعبية الأوسع التي تطالب بإنهاء نظام الحكم الحالي وإقامة جمهورية ديمقراطية. وهذه الإشارة تحمل دلالة مهمة، لأنها تنقل القضية من إطار حقوقي ضيق إلى سياق سياسي أوسع يتعلق بمستقبل الحكم في إيران وحق الشعب الإيراني في الحرية والعدالة.
“تحالف دولي واسع”
تكتسب الرسالة أهميتها أيضًا من طبيعة الشخصيات الموقعة عليها. فمن بين الموقعين حائزون على جائزة نوبل، مثل أولكسندرا ماتفيتشوك الحائزة على نوبل للسلام عام 2022، وجودي ويليامز الحائزة على نوبل للسلام عام 1997، وأوسكار أرياس سانشيز الرئيس الأسبق لكوستاريكا والحائز على نوبل للسلام، إلى جانب عدد من الحائزين على نوبل في مجالات العلوم والاقتصاد.
كما تضم الرسالة شخصيات قانونية ودولية بارزة، من بينها سانغ هيون سونغ، الرئيس السابق للمحكمة الجنائية الدولية، ويواخيم روكر، الرئيس السابق لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وموغنس لوكيتوفت، الرئيس السابق للجمعية العامة للأمم المتحدة، وجاويد رحمن، المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران. كما وقع عليها مارك إليس، المدير التنفيذي لرابطة المحامين الدولية، وشيري بلير، مؤسسة مؤسسة شيري بلير للنساء.
وأُرسلت نسخة من الرسالة إلى مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، وإلى المقررة الخاصة الحالية للأمم المتحدة المعنية بإيران الدكتورة ماي ساتو، وإلى بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن إيران.
“ماذا يريد الموقعون؟”
لا تكتفي الرسالة بإطلاق التحذيرات، بل تطرح مطالب واضحة. فهي تدعو الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى إنشاء آلية دولية للمساءلة تتيح التحقيق الفعّال في الجرائم المشمولة بالقانون الدولي، واستخدام مبدأ الولاية القضائية العالمية لملاحقة المسؤولين عنها.
كما تطالب بربط أي تعامل دبلوماسي أو اقتصادي مستقبلي مع طهران بوقف قابل للتحقق لعمليات الإعدام، وبإحراز تقدم ملموس في ملف حقوق الإنسان. وتدعو كذلك إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع السجناء السياسيين، وإعادة الوصول غير المقيد إلى الإنترنت لجميع المواطنين.
إن الرسالة، في جوهرها، لا تخاطب طهران وحدها، بل تخاطب المجتمع الدولي أيضًا. فهي تقول بوضوح إن الصمت لم يعد موقفًا محايدًا، وإن استمرار التعامل مع الإعدامات كأرقام عابرة لا يؤدي إلا إلى تشجيع الجلادين. وفي بلد تحوّلت فيه المشانق إلى أداة حكم، يصبح الاختبار الحقيقي للأمم المتحدة والدول الديمقراطية هو الانتقال من بيانات القلق إلى خطوات عملية للمحاسبة.



إرسال التعليق