بين التفاوض والخوف من الشارع.. طهران تغرق في تناقضاتها
دخل الصراع بين أجنحة النظام الإيراني مرحلة أكثر حدّة وعلنية، مع تصاعد الجدل حول المفاوضات المحتملة مع الولايات المتحدة، وما يتردد عن ترتيبات سياسية وأمنية قد تشمل ملفات حساسة مثل البرنامج النووي ومضيق هرمز. وبينما ترفع الفصائل المتشددة القريبة من خامنئي سقف التحذيرات من أي توافق مع واشنطن، تردّ الأوساط المحسوبة على حكومة مسعود بزشكيان وجناح محمد باقر قاليباف باتهامات مضادة، تكشف عمق الانقسام داخل بنية السلطة حول الخيارات الاستراتيجية المقبلة.
هذا التراشق لم يعد مجرد خلاف إعلامي عابر، بل يعكس مأزقاً أوسع يواجه النظام: كيف يتعامل مع ضغط خارجي متزايد، وأزمة داخلية خانقة، وشارع غاضب، من دون أن يظهر بمظهر المتراجع أو المنقسم؟ وفي قلب هذا المأزق، تتداخل المفاوضات مع واشنطن، وورقة مضيق هرمز، وصراعات البرلمان، ومخاوف الأجهزة الأمنية من انفجار اجتماعي جديد.
“مضيق هرمز بين الابتزاز والمخاطرة”
في صحيفة “كيهان”، شنّ حسين شريعتمداري، ممثل خامنئي في الصحيفة، هجوماً على ما اعتبره صمتاً رسمياً تجاه تصريحات وتسريبات منسوبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول قرب التوصل إلى اتفاق يتضمن فتح مضيق هرمز. وتساءل شريعتمداري عن سبب غياب التكذيب الفوري لهذه الأنباء، منتقداً في الوقت نفسه طريقة إدارة النظام لهذا الممر الحيوي.
وذهب شريعتمداري إلى حد التشكيك في آلية التعامل مع عبور الناقلات في المضيق، متسائلاً عما إذا كانت السلطات تحصل رسوماً أو عوائد ترانزيت من السفن العابرة. ويعكس هذا الطرح محاولة من التيار المتشدد لإعادة تقديم مضيق هرمز كورقة ضغط وابتزاز في مواجهة الخارج، خصوصاً في ظل الحديث عن تفاهمات محتملة مع واشنطن.
في المقابل، دعت صحيفة “اعتماد” الحكومية إلى الحذر من أي خطوة متسرعة في مضيق هرمز، محذرة من أن فرض رسوم أو اتخاذ إجراءات أحادية قد يثير حساسية دولية واسعة، ويدفع إلى تشكيل تحالفات جديدة ضد إيران. واعتبرت الصحيفة أن أي قرار من هذا النوع سيواجه تعقيدات قانونية وسياسية، خصوصاً أن المضيق يرتبط بسلطنة عمان أيضاً، ولا يمكن التعامل معه وكأنه ورقة بيد طهران وحدها.
“البرلمان ساحة جديدة للصراع”
امتد الخلاف إلى داخل البرلمان، حيث شنّ النائب المتشدد حميد رسائي هجوماً مباشراً على رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف والفريق المفاوض. وطالب رسائي بفتح أبواب البرلمان أمام الرقابة الشعبية على مسار المفاوضات، متهماً بعض مراكز القرار بمحاولة تهميش البرلمان حتى لا تُسجل المداولات والاتفاقات في الوثائق الرسمية.
وقال رسائي، بنبرة ساخرة، إن البرلمان يبدو وكأنه مغلق لأن هناك من لا يريد له أن يكون صاحب قرار في الاتفاقيات الدولية، رغم ما ينص عليه الدستور. وهذا الهجوم لا يستهدف الفريق المفاوض وحده، بل يطاول أيضاً موقع قاليباف ودوره في إدارة التوازنات داخل النظام.
ومن جهته، انتقد محمود نبويان، نائب رئيس لجنة الأمن القومي، البنود المتداولة حول الاتفاق المحتمل، معتبراً أن التفاوض حول مختلف الجوانب النووية، بما في ذلك الاستخدامات الطبية والزراعية، يمثل تنازلاً غير مقبول عن ما يصفه بحقوق إيران السيادية. وتعكس هذه المواقف خشية التيار المتشدد من أن يتحول التفاوض إلى بوابة لتنازلات أوسع تمس جوهر سياسات النظام.
“حكومة بزشكيان ترد: اتهامات تهدد هيبة الدولة”
في المقابل، لم تلتزم حكومة بزشكيان الصمت. فقد وصف عباسي، المدير العام للعلاقات العامة في مكتب الرئيس، هجمات التيار المنافس بأنها أكاذيب واتهامات ذات طابع إجرامي، تهدف إلى تآكل هيبة الدولة وزعزعة الاستقرار النفسي للمجتمع.
وقال عباسي إن هذه التحركات المنظمة من قبل التيار الراديكالي تجاوزت حدود النقد السياسي، وتحولت إلى تهديد أمني واضح، معتبراً أن المصالح الوطنية لم تعد تشكل رادعاً أمام أصحاب هذا المشروع التخريبي. وهذا الرد يكشف أن الحكومة لا ترى في الهجمات مجرد خلافات داخلية، بل محاولة لإضعاف موقعها وإفشال أي مسار تفاوضي قد تقوده.
وفي محاولة لضبط الإيقاع الداخلي، حذر زيني وند، مساعد وزير الداخلية، من استخدام المنابر الرسمية والإذاعة والتلفزيون لبث الانقسام وضرب الانسجام السياسي. وأكد أن مجلس أمن البلاد أبلغ مختلف أجهزة النظام بضرورة الالتزام بالسياسة الرسمية وعدم التصعيد، ما يعكس قلقاً واضحاً من خروج الصراع الداخلي عن السيطرة.
“نظام عالق بين التفاوض والخوف من الشارع”
يكشف هذا السجال العنيف أن الأزمة داخل النظام أعمق من مجرد اختلاف في تقدير مسار التفاوض. فالخلاف يدور في جوهره حول سؤال البقاء: هل يستطيع النظام أن يتراجع تكتيكياً أمام الضغوط من دون أن يظهر ضعيفاً؟ وهل يمكنه الدخول في تفاهمات مع واشنطن من دون أن تنفجر التناقضات داخل بنيته؟
صحيفة “خراسان” القريبة من قاليباف حاولت الدفاع عن الفريق المفاوض، مؤكدة أنه يلتزم بخطوط خامنئي، في إشارة إلى أن الحكومة والبرلمان لا يتحركان خارج حدود القرار الأعلى. لكن التيار المتشدد يرى أن أي انفتاح على واشنطن، مهما كانت مبرراته، قد يتحول إلى مسار استسلام يهدد هوية النظام.
في الخلفية، تقف الأزمة الداخلية كعامل حاسم. فالنظام لا يواجه فقط ضغوطاً خارجية أو انقساماً داخل النخبة، بل يواجه مجتمعاً محتقناً بفعل الفقر، والغلاء، والبطالة، وتدهور الخدمات، وتراجع الثقة بمؤسسات الحكم. وقد أظهرت انتفاضات ديسمبر ويناير أن الشرارة الاقتصادية قادرة على التحول بسرعة إلى احتجاجات سياسية واسعة، وهو ما يجعل أجنحة النظام أكثر خوفاً من أي تصدع جديد.
بهذا المعنى، تبدو المفاوضات مع واشنطن اختباراً داخلياً بقدر ما هي ملف خارجي. فكل جناح يحاول تحميل الآخر مسؤولية التراجع أو التصعيد، بينما يحاول النظام ككل منع وصول رسائل ضعفه إلى الشارع. غير أن كثافة الاتهامات المتبادلة، واستدعاء البرلمان والإعلام ووزارة الداخلية إلى ساحة الصراع، تكشف أن النظام يعيش مرحلة ارتباك حقيقية، وأن معركة التفاوض قد تتحول إلى مرآة لانقسام أعمق داخل السلطة.
وفي النهاية، لا يبدو الصراع حول المفاوضات مع واشنطن مجرد خلاف على تكتيك سياسي، بل تعبيراً عن نظام غارق في تناقضاته: يخشى الحرب، ويخشى التراجع، ويخشى انفجار الشارع أكثر من كليهما. وهذا ما يجعل كل خطوة تفاوضية محتملة مع الولايات المتحدة قابلة لأن تتحول إلى أزمة داخلية جديدة داخل بيت السلطة في طهران.



إرسال التعليق