طهران تفاوض والداخل يتآكل

طهران تفاوض والداخل يتآكل

في كل مرة يدخل فيها النظام الإيراني جولة جديدة من المفاوضات مع الغرب، يحاول أن يقدّم نفسه بوصفه طرفًا قادرًا على المناورة وامتلاك زمام المبادرة. غير أن الصورة الآتية من داخل إيران تكشف واقعًا مختلفًا تمامًا؛ فالنظام الذي يرفع شعارات التحدي في الخارج يواجه في الداخل أزمة ثقة عميقة، وتآكلًا متسارعًا في قدرته على السيطرة، ويستخدم المفاوضات لا بوصفها طريقًا جادًا لحل الأزمات، بل كوسيلة لكسب الوقت وتأجيل لحظة الانفجار.

هذه القراءة عبّر عنها السيد علي رضا جعفرزاده، نائب مدير المكتب التمثيلي للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في واشنطن، خلال مقابلة مع قناة Real America’s Voice، إذ أوضح أن النظام الإيراني لا يدخل مسار التفاوض من موقع الثقة، بل من موقع الخوف من الانهيار الداخلي التدريجي. فالمفاوضات، في حسابات طهران، ليست مشروع تسوية حقيقية بقدر ما هي محاولة لشراء الوقت، وإعادة ترتيب الصفوف، والبحث عن مخرج مؤقت من أزمات تتراكم بلا حل.

لقد بات واضحًا أن النظام الإيراني يواجه أزمة شاملة تمس ركائز بقائه. فالاقتصاد يواصل الانحدار، والتضخم يضغط على حياة الإيرانيين اليومية، والاحتجاجات الشعبية المتكررة كشفت عمق الفجوة بين المجتمع والسلطة. والأخطر أن الأمر لم يعد مجرد تذمر معيشي أو احتجاجات مطلبية عابرة، بل أصبح رفضًا أوسع لبنية سياسية ودينية لم تعد قادرة على إقناع المجتمع بمستقبل قابل للحياة.

في قلب هذه المعادلة تبرز المقاومة الإيرانية المنظمة، وفي مقدمتها منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، كأحد أكثر العوامل إرباكًا للنظام. فالمعضلة التي تؤرق السلطة لا تكمن فقط في العقوبات أو الضغوط الدولية، بل في وجود قوة منظمة تعمل داخل المجتمع الإيراني، وتملك القدرة على كشف هشاشة النظام وإظهار محدودية سيطرته الأمنية والسياسية.

ومن هنا اكتسبت العملية التي نفذتها منظمة مجاهدي خلق ضد المقر الرئيسي لعلي خامنئي قبل أيام من اندلاع الحرب أهمية خاصة. فهي لم تكن مجرد حدث أمني عابر، بل حملت رسالة سياسية واضحة: أن المقاومة المنظمة لم تعد خارج معادلة الداخل، وأن النظام الذي يدّعي السيطرة المطلقة عاجز عن حماية أكثر مراكزه حساسية.

إن أخطر ما يواجهه النظام اليوم هو أن أدواته التقليدية بدأت تفقد فعاليتها. فالقمع، والإعدامات، والاعتقالات الجماعية، وقطع الإنترنت، لم تعد قادرة على إخماد حالة الغضب الشعبي. كما أن الدعاية الأيديولوجية التي اعتمد عليها لعقود لم تعد قادرة على حجب واقع الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه الإيرانيون.

لذلك، تبدو طهران اليوم وكأنها تفاوض من موقع دفاعي لا من موقع قوة. فهي لا تبحث عن حل جذري بقدر ما تسعى إلى تأجيل الانفجار الداخلي وكسب مزيد من الوقت. غير أن المشكلة بالنسبة إليها أن الوقت نفسه لم يعد يعمل لصالحها كما في السابق؛ فالتآكل الداخلي يتسارع، والثقة الاجتماعية تتراجع، وقدرة النظام على ترميم شرعيته تكاد تكون معدومة.

في المقابل، تطرح المقاومة الإيرانية رؤية مغايرة تقوم على أن التغيير الحقيقي لن يأتي عبر الرهان على اعتدال النظام أو عبر تفاهمات مؤقتة معه، بل عبر الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة. ومن هنا، تؤكد المقاومة أن سياسة الاسترضاء التي انتهجتها بعض القوى الغربية خلال السنوات الماضية لم تؤدِ إلا إلى منح النظام فرصة إضافية لمواصلة القمع في الداخل وتوسيع نفوذه التخريبي في الخارج.

إن الرسالة الأساسية التي تبرز من المشهد الإيراني اليوم هي أن النظام قد يبدو من الخارج متماسكًا، لكنه في الداخل يواجه أزمة وجودية متفاقمة. والمفاوضات، مهما طالت، لا تستطيع إخفاء هذه الحقيقة أو وقف مسار التآكل الذي يضرب بنية السلطة.

لذلك، لم يعد السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت المفاوضات ستنجح أو تفشل، بل إلى متى يستطيع النظام استخدام الدبلوماسية غطاءً للهروب من أزماته الداخلية. فالمعادلة التي تتشكل داخل إيران تشير إلى أن العامل الحاسم لن يكون في غرف التفاوض وحدها، بل في الشارع الإيراني، وفي قدرة المقاومة المنظمة ووحدات المقاومة على تحويل الغضب الشعبي إلى مسار تغيير فعلي.

إرسال التعليق

You May Have Missed