كيف أفشل الوعي الطلابي مؤامرات نظام الملالي ومحاولات إجهاض الانتفاضة؟
في محاولة يائسة للإيحاء بـ عودة الهدوء بعد موجة قمع دموية، اصطدم نظام الملالي بعقبة صلبة تتمثل في الحرم الجامعي. لطالما أدركت السلطة الحاكمة في إيران أن الجامعات تمثل التهديد الوجودي الأكبر لبقائها، لكونها حواضن للوعي الفكري والتعبئة المنظمة. ورغم تحويل الجامعات إلى ثكنات أمنية، أثبت الطلاب أنهم العمود الفقري لانتفاضة يناير 2026، رافضين ألاعيب النظام، ومؤسسين لـ طريق ثالث يرفض استبداد نظام الملالي ولا يقبل العودة إلى دكتاتورية نظام الشاه.
الضربة الاستباقية الفاشلة: إغلاق الجامعات خوفاً من الانفجار
قبل اندلاع شرارة الغضب الحالية بوقت طويل، أظهرت الدولة رعبها العميق من الفضاءات الأكاديمية. في أواخر ديسمبر، وتحت ذرائع واهية تفيد بتفشي وباء الإنفلونزا وموجة برد قارس، أغلقت السلطات الجامعات بشكل مفاجئ وحولت الدراسة إلى النظام الافتراضي (عن بُعد).
لم يكن هذا الإجراء صحياً، بل كان ضربة أمنية استباقية مدروسة، تهدف إلى تفتيت التجمعات الطلابية وعزل الشباب قبل التوجه نحو رفع أسعار الوقود، والذي كانت السلطة تدرك تماماً أنه سيُشعل انفجاراً شعبياً حتمياً.
ورغم هذه الجهود الحثيثة لعزل الشباب، فشلت الاستراتيجية الأمنية فشلاً ذريعاً؛ فقد نزل الطلاب إلى الشوارع بأعداد هائلة، ليتحولوا إلى العمود الفقري لانتفاضات يناير العارمة.
اختطاف السردية: محاولة خامنئي سرقة دماء الشهداء
بعد فترة من قطع الإنترنت وحملات القمع المميتة، لجأت القيادة إلى شكل أكثر خبثاً من أشكال السيطرة. من خلال إعادة فتح الجامعات والإعلان عن إقامة مراسم تأبين برعاية الدولة لمن أسمتهم ضحايا أعمال الشغب، حاولت السلطات مصادرة الدماء التي سفكتها بيدها.
بلغت هذه المحاولة ذروتها في منتصف فبراير، عندما حاول علي خامنئي احتواء شهداء الحركة عبر سردية خادعة. فمن خلال خلق ثنائية مزيفة بين المحتجين الشرعيين والعملاء الأجانب، سعى الولي الفقيه لغسل الدماء عن يديه، وامتصاص الغضب العام قبل أن يؤدي إلى انفجار جديد.
لكن الطلاب قلبوا الطاولة بقوة على هذه السردية، محبطين مسرحية السلطة بالكامل.
الحرم الجامعي كـ شبه سجن وتجذر الراديكالية
لمنع هذا التحدي الطلابي، حوّل النظام الجامعات إلى شبه سجون متطورة. تُدار بنية السيطرة هذه بواسطة هيكل هرمي يضم ما لا يقل عن عشرة أجهزة أمنية متداخلة؛ بدءاً من أمن الجامعة (الحراسات) الذي يعمل كامتداد لوزارة الاستخبارات، وصولاً إلى فروع ميليشيا الباسيج المرتبطة مباشرة بـ حرس النظام.
يعمل الطلاب الرافضون للانصياع لإرادة الدكتاتور تحت ظل تهديد دائم بالطرد، والملاحقة القضائية، والمراقبة الصارمة عبر مئات الكاميرات.
ورغم جحيم الاختناق هذا، خضع الخطاب الطلابي لتحول جذري. لقد تجاوزت الحركة مساحة المظالم المسموح بها أو الدعوات الساذجة للإصلاح. بدلاً من ذلك، استهدفت الشعارات التي تتردد أصداؤها من طهران إلى شيراز قلب النظام مباشرة: الموت لخامنئي وهذا العام هو عام الدم.
يؤكد هذا التجذر الراديكالي أن المعركة لم تعد تدور حول تنازلات مؤقتة؛ بل أصبح الإسقاط الشامل للنظام هو الحقيقة المركزية والحتمية على طاولة السياسة الإيرانية.
الطريق الثالث: إسقاط البدائل المزيفة
في خطوة استخباراتية خبيثة، حاول النظام تمييع هذا الزخم الثوري عبر اختلاق مسارات انحرافية وتوظيف عملائه داخل الحشود. وتوثق التقارير ممارسة ضغوط أمنية على بعض الطلاب لترديد شعارات مؤيدة للملكية؛ حيث تصنف الأجهزة الأمنية لـ نظام الملالي هذه الشعارات على أنها بديل آمن أو قابل للسيطرة مقارنة بالشعارات الثورية الجذرية الرامية للإسقاط.
تهدف هذه الحملات الدعائية التكتيكية إلى التشويش على وضوح الرؤية لدى الحركة. ومع ذلك، رفض الجسم الطلابي بأغلبيته الساحقة هذه الإلهاءات، معلناً تمسكه بـ الطريق الثالث عبر شعارات وبيانات تدين صراحة كلتا الدكتاتوريتين؛ فترفض استبداد نظام الملالي الحالي، وتغلق الباب نهائياً أمام أي عودة لهياكل نظام الشاه البائد.
دورة الانتفاضة المستدامة
في النهاية، تشير المعطيات الميدانية إلى أن دورة الانتفاضة في إيران أصبحت حالة دائمة. وسواء اختار النظام فرض المزيد من إغلاق الجامعات أو شن حملات اعتقال جماعية، فإن هذه التدابير لن تؤدي إلا إلى تعميق خزانات الغضب الشعبي.
لقد توصل الجيل الحالي من النشطاء إلى إجماع قاطع: الطريق إلى التغيير لا يمر عبر التدخلات الأجنبية ولا عبر انتقالات فوقية للسلطة، بل يمر عبر استراتيجية منظمة تعتمد مبدأ النار بالنار في الشوارع.
إن التحذير المشؤوم الذي يتردد صداه اليوم في قاعات الجامعات الإيرانية: ويل لكم من يوم نتسلح فيه، هو إعلان صريح بأن سراب البيئة الأكاديمية المطيعة قد تبدد إلى غير رجعة.



إرسال التعليق